القاضي عبد الجبار الهمذاني

299

المغني في أبواب التوحيد والعدل

صحتها ، وإن عصى الكل ؛ أو أطاع البعض ، وعصى البعض ؛ فلو أطاع جميعهم ، أو عصى جميعهم ، كيف كان السبيل إلى الاستدلال ، على النبوّة ، والطريقة التي ذكرتموها لا تصح . قيل له : قد بينا أن التعلق في إعجازه بحال المستجيبين فقط ، يمكن ؛ فلو استجاب الجميع لكانت الدلالة التي ذكرناها أوكد ؛ فكان يمكن الاستدلال به على نبوّته ؛ لأن المعتبر في هذا الباب أن نعرف : أن القرآن في رتبته ، في الفصاحة خارج عن العادة ؛ فإذا عرفنا ذلك بحال المستجيبين له ، صح الاستدلال ؛ كما إذا عرفناه بحال غيرهم ، صح ذلك ؛ وهذا يبطل ما سألت عنه ؛ لأنا نبين : أنا وإن احتججنا بحال من حاربه فليست الدلالة بمحاربتهم ؛ وإنما يكشف ذلك عن اختصاص القرآن برتبة الفصاحة ، ثم بكونه كذلك يستدل على النبوّة ؛ على أن هذا الجواب لو تعذر لكنا نقول : إنه تعالى كان يجعل الدلالة غير القرآن ؛ أو كان لا يبعث الرسول ؛ لأن كل ذلك ممكن ؛ على أن التعلق بذلك يلزمه أن يقول : إذا استدللنا بصحة الفعل من زيد ، على كونه قادرا ، وكنا نحتاج في طريقة الاستدلال ، إلى تعذره على غيره ، أن يكون الدال على ذلك ، التعذر ؛ إذ لا يكمل الدليل إلا به ؛ فكما أنا نقول فيه : إنا نعلم بالتعذر دخول صحة الفعل ، في أن تكون له مزية ، ودخول من صح منه ذلك ، في أنه يختص بمفارقة ؛ فكذلك القول فيما سألوا عنه ؛ على أن ذلك يوجب القدح ، في أصل العقول ، بأن يقول قائل : لا يتم كمال العقل إلا بوقوع القبائح مع المحسنات ، ليفرق العاقل بين الأمرين ، وبين حكميهما في الذم والمدح ، فإذا لم يقدح ذلك فيما قلناه ، فكذلك القول في القرآن ؛ هذا كله ، لو ثبت أن وجه الاستدلال ما ذكروه ، من عدو لهم إلى المحاربة ؛ فكيف ، وقد بينا : أنه يصح الاستدلال بأن يعلم تعذره عليهم ؛ وأن ذلك قد يعلم بخبرهم ؛ وأن يعرف